محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والذي قالوه من ذلك كما قالوا وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن جماعة من أصحابه أخبارا قد تقدم ذكرنا بعضها وسنستقصى ذكر باقيها ببيانه إذا انتهينا اليه ان شاء اللّه فاما الذي تقدم ذكرناه من ذلك فخبر أبي بن كعب من رواية أبى كريب عن ابن فضل عن إسماعيل بن أبي خالد الذي ذكر فيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال أمرت ان أقرأ القرآن على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة والسبعة الأحرف هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهى والترغيب والترهيب والقصص والمثل التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى استوجب به الجنة وليس والحمد للّه في قول من قال ذلك من المتقدمين خلاف لشئ مما قلناه والدلالة على صحة ما قلناه من أن معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم نزل القرآن على سبعة أحرف انما هو أنه نزل بسبع لغات كما تقدم ذكرنا من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب وسائر من قد قدمنا الرواية عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في أول هذا الباب أنهم تماروا في القرآن فخالف بعضهم بعضا في نفس التلاوة دون ما في ذلك من المعاني وأنهم احتكموا فيه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فاستقرأ كل رجل منهم ثم صوّب جميعهم في قراءتهم على اختلافها حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم ان اللّه أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ومعلوم أن تماريهم فيما تمار وافيه من ذلك لو كان تماريا واختلافا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك لكان مستحيلا أن يصوب جميعهم صلى اللّه عليه وسلم ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه لان ذلك لو جاز أن يكون صحيحا وجب أن يكون اللّه جل ثناؤه قد أمر بفعل شئ بعينه وفرضه في تلاوة من دلت تلاوته على فرضه ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزجر عنه في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهى والزجر عنه وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فعله ولمن شاء منهم أن يتركه تركه في تلاوة من دلت تلاوته على التخيير وذلك من قائله ان قاله اثبات ما قد نفى اللّه جل ثناؤه عن تنزيله وحكم كتابه فقال أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وفي نفى اللّه جل ثناؤه ذلك عن حكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينّزل كتابه على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم الا بحكم واحد متفق في جميع خلقه لا باحكام فيهم مختلفة وفي صحة كون ذلك كذلك ما يبطل دعوى من ادعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف للذين تخاصموا اليه عند اختلافهم في قراءتهم لأنه صلى اللّه عليه وسلم قد أمر جميعهم بالثبوت على قراءته ورضى قراءة كل قارئ منهم على خلافها قراءة خصومه ومنازعيه فيها وصوّبها ولو كان ذلك منه تصويبا فيما اختلفت فيه المعاني وكان قوله صلى اللّه عليه وسلم أنزل على القرآن على سبعة أحرف اعلاما منه لهم أنه نزل بسبعة أوجه مختلفة وسبعة معان مفترقة كان ذلك اثباتا لما قد نفى اللّه عن كتابه من الاختلاف ونفيا لما قد أوجب له من الائتلاف مع أن في قيام الحجة بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقض في شئ واحد في وقت واحد